الشهيد «خالد أبو
ساري» قائد سرايا القدس شمال الضفة
«المقاتل الفذ ورجل المهمات الصعبة»..
لم يكن اللقب «أبو الصقر» الذي
حمله الشهيد المجاهد وقائد الجناح
العسكري لحركة الجهاد الإسلامي «سرايا
القدس» لشمال الضفة الغربية خالد وليد
أبو ساري (25عاماً) لقباً عادياً أو
عفوياً، لأنه أسد ومقاتل فذ في ساحات
الوغى، فهو صقر حلّق في سماء فلسطين
التي امتلأت بالغربان، حيث حمل في
قلبه هم الوطن وأمانة الدين ورسالة
الجهاد والمجاهدين ليكون الصقر الأبيض
طارداً للغربان ومقاتلاً أمام العدوان.
ومن كلمات الشهيد لأمه حول هذا
الاسم فقد قال لها الشهيد: «يا أمي
هذا اللقب يعني الانقضاض على الفريسة
وكم أتمنى الانقضاض على اليهود
وأعوانهم».
هوية الشهيد
احتضنه مخيم نور شمس بمدينة طولكرم
شمالي الضفة المحتلة بعد ولادته في
المخيم الذي نشأ فيه ودرس المرحلة
الابتدائية والإعدادية والثانوية في
مدارس مخيم نور شمس وبعض القرى
المحيطة به، وواصل دراسته في المرحلة
الجامعية في جامعة القدس المفتوحة
تخصص «شريعة إسلامية»، حيث لم يكمل
دراسته بسبب ملاحقة الاحتلال الصهيوني
له.
المجاهد الشهيد حمل روحه فداء لله
والإسلام العظيم، حطم القيود والحواجز
أسد رابض في خنادق الجهاد والمجاهدين،
عنيد، اخ كريم وابن بار ومجاهد وكان
دائم للثناء لكل الشهداء، زهد في
الدنيا وطمع في جنة الله تعالى، وهو
الفارس والقائد لسريا القدس الشهيد
البطل خالد وليد رايق أبو ساري، عرفه
الجميع بالسيرة الحسنة والخلق الطيب
وهو حي في ذاكرة ووجدان من عرفوه
وتعلقوا به.
شهيدنا القائد من أخطر المطاردين
للاحتلال الصهيوني كما يدعي ذلك العدو،
حيث يحتل أولى المراتب في قوائم
الاحتلال الصهيوني بهدف تصفيته جسديا
والقضاء عليه مهما كلف عدوه من
الأثمان حيث نجا الشهيد ست مرات من
عمليات اغتيال خلال عام واحد.
أكثر من ثمانية شهور انقطع شهيدنا
عن رؤية أهله ومحبيه، ولم يستطيعوا
معرفة مكان تواجده والذين تمنوا رؤيته
ولو لدقيقة واحداً حياً إلا أنهم
حضنوه مضرجاً بدمائه بعد المجزرة
الصهيونية بحقه تحت جنح الظلام وعلى
غفلة عدوانية في منطقة حي صباح الخير
في مدينة جنين شمال الضفة الغربية حيث
ترجل شهيداً إلى السماوات العلى.
وطالما تحدث شهدينا عن مصيره
المجهول حسب ما رأى من قساوة وظلم
عدوه الذي أراد الوصول للشهيد مهما
كلفه الثمن، حيث كان يعرف أن الاحتلال
يريد تصفيته جسديا والخلاص منه نهائيا
تماما كما يريد التخلص من الفلسطينيين
جميعاً يقول والده وبقلب حزين أن ولده
كان رمزاً ولا زال للصمود والتحدي
وأنه لا زال في نفوس محبيه حياً وأزيز
رصاصه ضد الاحتلال لا زال يصدح في
الأفق.
من أبطال
فلسطين
وتحدث والده «أبو خالد» بقلب مكلوم
ولكن عزيمته قوية بالقول واصفاً نبأ
استشهاده بالفاجعة وأن فراقه مرّ
بلحظات قاسية جدا: بالنسبة لنا كان
استشهاده فاجعة كبرى مع أننا كنا
نتوقعها ولم نصدق لكن الله تعالى
أعطانا خالد وأراد أن يسترد أمانته
وحسبنا الله ونعم الوكيل، مشيراً إلى
أن العائلة أصلاً فقدته منذ الرابع
والعشرين من شهر فبراير لعام 2007،
ولم يتمكن أحد منا لقائه إلا عبر
الهاتف وللحظات خوفاً من تتبعه من
الاحتلال.
ويتابع «أبو خالد» حديث وبقلب
مطمئن حزين على فقدان أسد من أسود
فلسطين حيث يعتبره ابن للشعب
الفلسطيني وليس له وحده: لقد كان
الشهيد كاتماً للأسرار ويعمل بسرية
تامة لأنه يبتغي مرضاة الله تعالى في
عمله الجهادي، حيث لم نعلم عن نشاطه
الجهادي والعسكري إلا بعد استشهاده،
فقد كان الشهيد هو المسؤول الأول عن
عملية حاجز عنّاب العسكري شرق طولكرم
والتي نفذها قبل حوالي أربعة شهور
الشهيد محمد ذياب من بلدة كفر راعي
قرب جنين، والتي أوقعت عدة إصابات في
صفوف جنود الاحتلال. كما أنه المخطط
لعدة عمليات جهادية والمنفذ لعمليات
إطلاق النار والاشتباكات مع قوات
الاحتلال في قباطية وجنين.
ويتابع والد الشهيد بالقول: ولد
الشهيد خالد، ونشأ وترعرع في المساجد
على حبّ القران وإتباع المنهج النبوي
مند صغره وعاش شهيدنا البطل بطبعه
الهادئ. ونشأ في مخيم نور شمس مع
أبناء المخيم ولكنه كان مدركاً منذ
صغره أن سيصبح حدثاً مهماً وله بصمات
في تاريخ فلسطين حيث حرمه الاحتلال
منذ نعومة أظفاره من بلدته الأصل
«بريكة» قضاء مدينة حيفا حيث هجّر مع
باقي أبناء شعبه منها ولذلك زرع في
قلبه حب الوطن والدفاع عنه.
مشوار جهادي
انضم الشهيد إلى حركة الجهاد
الإسلامي ولجناحها العسكري فارضاً
نفسه على إخوانه في الجهاد والمقاومة
مشاركاً في العديد من المهام
الجهادية، ومواجهاً الكثير من الأعباء
والمخاطر، إلا أنه تحمّل وثبت في ذلك
الطريق لأنه تمسك بالإسلام العظيم
والجهاد المستقيم.
وتابع والده قوله: كان تعليم
الشهيد في مدارس الوكالة في المخيم
ومن ثم انتقل إلى المدارس الثانوية في
مدينة طولكرم لإكمال تعليمه الثانوي،
وقبل تقديمه لامتحانات الثانوية
العامة في المدرسة الشرعية في الثامن
من شهر نيسان لعام 2001 اختطفته قوات
الاحتلال ليقضي حكماً بالسجن لمدة ست
سنوات إلى أن يفرج عنه في الثامن من
شهر تشرين ثاني لعام 2006.
والدة الشهيد خالد أبكت عيون من
حولها لشدة تعلقها بابنها الشهيد
واصفة لنا الوضع الصعب الذي مرّ به
القائد الشهيد، وتقول: في إحدى المرات
وبعد فترة من الانقطاع عنه تمكنت من
زيارته في أرض فلاح بسيط في جنين حيث
كان الشهيد يعمل عنده عملاً في
البستان ومتخفياً ودون أن يعلم صاحب
البستان أي تفاصيل عنه وأحبّه ذلك
الرجل ورضي به عاملاً عنده.
لحظات أخيرة
من حياته
وتتابع والدة الشهيد ولوعة الفرقة
تخرج من عيونها: اللحظات الأخيرة التي
عاشها بني خالد كانت في منتصف الليل
عندما خيّم الظلام على البستان
والمنطقة التي يعمل فيها، حيث أخبرنا
أصحاب العمل عن هذه اللحظات.
وتتابع نقلاً عن رواية أهالي رب
العمل لابني خالد: اعتلت صيحات الله
أكبر في المنطقة وكان الجيش الصهيوني
يسيطر على المكان حيث استمرت تكبيرات
المجاهدين خلال اشتباكهم معهم، وأطلقت
القوات الصهيونية القنابل الضوئية
وكان حرباً ضروساً اشتعلت في المكان
واستمرت حتى أذان الفجر حيث انقطع صوت
التكبير، ما كان إلا أن الجنود أجهزوا
على المجاهدين وانتقلت روحهم إلى
السماء.
الانتقام من
أهله الشهيد
أهل الشهيد تعرضوا ولا زالوا
للممارسات الغاشمة التي تنتهجها سلطات
الاحتلال، حيث قام جنود الاحتلال على
جسر الكرامة في العام 2004 باعتقال
والد الشهيد ووالدته بعد العودة من
استكمال أبو خالد للعلاج في الأردن
وإجراء عملية جراحية ليمكث في الأسر
أربع أشهر في حين بقيت زوجته لمدة شهر
في زنازين المحتل بدعوى «مساعدة
تنظيمات محظورة».
شقيق الشهيد الأسير حسين خالد أبو
ساري حكم عليه بقضاء 14 شهر في السجون
ودفع غرامة مالية قدرها 2000 شيكل،
وذلك بدعوى انتماءه لحركة الجهاد
الإسلامي حيث تم اعتقاله بتاريخ
(14ـ5ـ2007) وهو الآن في سجن مجدو
الصهيوني.
سرايا القدس
تفتقده
سرايا القدس تقول إن الشهيد القائد
يعتبر الرجل الأول للجهاد في الضفة،
حيث كان في مخيم العين بنابلس حينما
قتل الجندي الصهيوني بينما كانت
العملية في بدايتها تستهدفه وقد تمكن
من الانسحاب من المخيم بسلام.
ويعتبر الشهيد القائد من أبرز
المشرفين علي العشرات من العمليات
البطولية وقد خرج عشرات القادة
الميدانيين والاستشهاديين.
وقد أشرف الشهيد القائد خلال رحلة
الاعتقال على تعليم الشهيد القائد لؤي
السعدي على صناعة الأحزمة الناسفة
والعبوات الناسفة، كما أشرف على تعليم
الشهيد القائد «رائد عجاج» والقائد «حسام
جرادات» والقائد «زياد ملايشة» وعشرات
من القادة الميدانيين الذين ارتقوا
للعلا خلال العامين الماضيين، وأشرفوا
بدورهم على تنفيذ العديد من العمليات
الاستشهادية التي هزّت أركان العدو
الصهيوني.
موعد مع
الشهادة
اصطفاه الله شهيدًا على أيدي قوات
خاصة من العدو الصهيوني في جريمة حرب
لا أخلاقية تجاوزت كافة القوانين
والأعراف الدولية، وتمّت تصفية الشهيد
أبو ساري ومساعدة محمد محمود جوابرة
من سكان بلدة كفر راعي بجنين، بعد أن
حاصرت قوات خاصة بناية سكنية في منطقة
حي صباح الخير بمدينة جنين، حيث
اشتبكت مع مقاومين تحصنوا بداخلها ومن
ثم أعدمهم الاحتلال بدم بارد في تاريخ
أسود في جبين الاحتلال الصهيوني
الموافق (23-10-2007).
وبقلوب مؤمنة وثابتة على الجهاد
شيّعت مدينة طولكرم الشهيد إلى مثواه
الأخير في مخيم نور شمس حيث ألقت
والدته وذووه نظرة الوداع عليه وسط
الهتافات المطالبة بالانتقام والرد
على عملية اغتياله، فيما طالبت حركة
الجهاد الإسلامي خلال التشييع جناحها
العسكري بالرد السريع على عملية
الاغتيال، وتلقين "العدو" درساً
قاسياً رداً على اغتيال أبو ساري.
لقد عاش «أبو الصقر» مجاهداً
وقائداً وارتقي شهيداً، وهذا الرجل لم
يعرف يوماً كللاً أو مللاً في
المقاومة والجهاد ولا زالت حركة
الجهاد تعزز من هذه الرجال في فلسطين
حتى النصر والتحرير.
8-11-2007