|
كتاب:
صفحات من تاريخ الكفاح الفلسطيني..

المؤلف: علي بدوان..
من غير مقدمات ترويجية، أو تعليقات
استنسابيه، فإن عملاً فلسطينياً تأريخياً
بات ضرورة ذات أهمية فائقة، وقد يكون
موازياً لامتشاق البندقية، ليضع نفسه
بجدارة في بؤرة الإنتاج الفكري، السياسي
والوقائعي، لمسيرة الكفاح الفلسطيني،
بدءاً من ذاكرة الطفولة التي عشناها في
مخيمات الشتات، ذاكرة الأسنان اللبنية تحت
رعاية بطاقة الأونروا… وانتهاءً بثنائية
(استراحة ونهوض المحارب) المعللة في
التجربة الفلسطينية المعاصرة، مع
استخلاصات ونتائج، يمكن البناء عليها.
ففي الكتابة، نحاول أن نقترب من توثيق
الفعل، وفي الكتابة نحاول الاجتهاد في
تدوين مسيرة شعب مكافح على طريق الحرية
والاستقلال، وفي الكتابة نضيء شمعة
متواضعة أمام وهج العطاء المستند إلى
التضحيات المتواصلة منذ ليل النكبة
الطويل.
وفي الكتابة، نوثق نمو العنب المزروع
في الأرض الطيبة، والتين والزيتون، ونؤرخ
للرصاصة، نضع ونسكب، رد أمانة مؤداة، على
طريق إيقاد وإشعال وتحريك الذاكرة
الجمعية، لشعب ينهض بأجياله الجديدة، كما
نهض آباؤنا سنوات النكبة الأولى من الخيمة
المجبولة مع طين الشتاء ومن بين الملاجئ
الجماعية والمساجد التي جرى إيواؤهم
إليها، ومن بين الطوابير المتتالية أمام
مراكز الطحين والأرز وكرت الإعاشة، ومن
بين رحم المعاناة والحرمان. تحت أعمدة
الكهرباء الرصيفية… ليصبح بعد طول انكسار،
في مصاف رواد الانتلجنسيا العربية في
العلوم والثقافة والآداب الإنسانية، من
كليفلاند الأمريكية، أو وكالة ناسا، ثم من
جنين إلى الخليل، وصولاً إلى مابين المحيط
والخليج…
في الكتابة، ندوّن شيئاً من ذاكرة
الكفاح على لوحة الموزاييك الفلسطينية
التي تعج بألوان الطيف الأيديولوجي الفكري
والسياسي، ونرصد مسار الفعل الكفاحي
بتجلياته المختلفة، من القلم إلى البندقية
والرصاص في مسيرته، فمن البندقية كان
الرصاص الموصل إلى سدة العالم في إعادة
إحياء قضية فلسطين واسترجاعها إلى أجندة
العالم بعد التغييب القسري لها. ومن
البندقية كان بعض (الرصاص الأعمى)
المتطرف، الذي أساء لفلسطين وشعبها
وقضيتها على يد قلة فقدت بوصلة الطريق
الحقيقي نحو الانتصار.
نكتب وندوّن، عبارات سريعة، لتاريخ شعب
مازال يئن تحت وجع فقدان الوطن، ولمسيرة
فلسطينية من الحطام إلى القيام، تملأ
الشاغر النسقي في تدرج القيام، على أنقاض
الحطام في كرت الإعاشة، مسيرة مكنت
الفلسطينيين مرة ثانية من (إدارة الدولاب)
ومن إطلاق مرحلة (عكس المؤشر) ومن عنوان
(الضياع) وسفينة (الغياب)، ومن معادلة
(الرثاء وبكاء الخرائب)، إلى معادلة
(الكفاح وبناء الكتائب)، فقد جرى التهيؤ
في كتابنا إياه في حشد وقائع مضنية على
الطريق الطويلة، إلى استعراض بيبلوغرافيا
العشرات من القوى (تنظيماً وحركة وحزباً
وجبهة وتحالفاً وعصبة وكتيبة وسرية..)
بأسماء من الفهد الأسود إلى النسر الأحمر،
إلى كتائب رمز العزة الوطنية والقومية
الشهيد عز الدين القسام… وما ضاقت الأرض
بما رحبت، وفي سيرة تضج بالمعلومات
والأسماء لأشخاص وأفراد بعضهم عاش وغادر
الدنيا دون ضجيج، وبعضهم ملأ الكفاح
الفلسطيني صخباً وحضوراً، بينما غابت
أسماء المئات المئات بل وعشرات الآلاف من
المجهولين ممن عبدوا الطريق بصمت فغادروا
حياة الشعب وفلسطين في قوافل الشهادة.
نكتب ومضات ما استطعنا إيقاده من رحلة
بناء الوعي الوطني الفلسطيني وتشكله بين
أبناء الشتات الذين تفتحت عيونهم على
الحياة بين أزقة وحواري المخيم، راصدين
البناء الهرمي الذي تسامى مع سمو القضية
الفلسطينية ورحلة الكفاح الطويلة من
الشقاء من أجل البقاء، وفي البحث عن
(الوطن والخبز والحرية)، مع هذا النزوع
الفطري المتشكل مع لبن التخليق الفلسطيني
في طرح الأسئلة وتدوين الذاكرة بملف الوطن
على لسان ويد من خرج من فلسطين من أجيال
النكبة إلى دياسبورا الشتات والمنافي
القسرية، في نمو بذور الثورة والمقاومة،
وبواكير الكفاح الفلسطيني المسلح من خلال
الخلايا الأولى التي تشكلت مع مخاض
الرصاصات الأولى، التي هيّأت لانطلاقة نوى
المقاومة الفلسطينية المسلحة، وإرهاصاته
وعوامل التأسيس التي بدأت في قطاع غزة
وسوريا ولبنان والأردن وامتدت إلى دول
الخليج العربي، حيث التربة الخصبة التي
ساعدت على نمو وانطلاق شرارات الثورة
الفلسطينية المعاصرة، متتبعين نقاط
الالتواءات والانعطاف والمراحل الحساسة
التي مرّت بها الحركة الوطنية الفلسطينية
في بداياتها الصعبة.
بقلم: علي بدوان
16-9-2008
|