|
الحاكم
العسكري الإنكليزي يسلّم فلسطين كلها الى
صامويل «ما عدا الخطأ والسهو»!
سليمان الشيخ
تم تسليم القدس في الحرب العالمية
الأولى من المتصرف العثماني عزت بك الى
القوات البريطانية، عبر وثيقة كتبها
المتصرف باللغة التركية مؤرخة في
8/12/1917. أي قبل يوم واحد من دخول قوات
الاحتلال البريطاني فعلياً الى المدينة.
حمل الوثيقة وسلمها رئيس البلدية حسين
سليم الحسيني الى مبعوث من القيادة العامة
للجيش البريطاني الذي كان يحاصر المدينة
من ثلاث جهات، وتم الالتقاء عند حدود
القدس الخارجية واصطحب رئيس البلدية معه
مجموعة من الأعيان ورجال البوليس، وهم
يحملون العلم الأبيض.
وجاء في الوثيقة، كما نُشرت في كتاب
«فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية»
الصادر في يافا عام 1937 لعيسى السفري، ما
يلي: «الى القومندان الإنكليزي، منذ يومين
والقنابل تتساقط على القدس المقدسة، لدى
كل ملة، فالحكومة العثمانية مُحافظةً على
الأماكن الدينية من الخراب والدمار، سحبت
القوة العسكرية من المدينة، وأقامت موظفين
للحفاظ على الأماكن الدينية، كالقيامة -
كنيسة - والمسجد الأقصى. وعلى أمل بأن
تكون المعاملة منكم على هذا الوجه، فإنني
أبعث بهذه الورقة مع حسين بك الحسيني،
وكيل رئيس بلدية القدس.
متصرف القدس
المستقل عزت».
إن قارئ وثيقة عزت بك المتصرف العثماني
للقدس، يلمس ليناً وحدباً على السكان
والأماكن المقدسة في المدينة وهو يودعها
ويخرج مرغماً منها. إلا ان الممارسات
السابقة للأتراك، كانت قد تركت نقمة
وجروحاً وندوباً ومرارات كثيرة لدى
السكان. إذ أشارت التقارير يومها، الى ان
هؤلاء استقبلوا الجيش البريطاني بحماسة
كبيرة، وهم يعتقدون، بحسب ما أشارت
الدكتورة بيان نويهض الحوت، في كتابها
«القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين -
1917-1948» الصادر عام 1981 «انهم لا
يستقبلون سوى حلفاء وأصدقاء تعاهدوا
وإياهم على القتال معاً من أجل التحرر من
نير الأتراك، ومن أجل بناء الدولة العربية
المستقلة».
إلا أن الأمر كان غير ذلك، بعد أن أخذت
الممارسات تكشف عن حقيقة السياسة
البريطانية وإصرارها مع الحركة الصهيونية
على تحويل فلسطين الى وطن قومي لليهود
حقاً وحقيقة.
كي نجلو الأمر ونوضحه أكثر، فإن
الممارسات التركية وعلى مدى زمني طويل
(نحو 400 سنة) لم تترك إلا أصدقاء قليلين
مؤيدين بين العرب للسياسة التركية، خصوصاً
بعد انقلاب مجموعة «الاتحاد والترقي» على
السلطنة والسلطان عام 1908، وبدء سياسة
التتريك بفظاظة وبالقوة وقد ذكر الشيخ
عبدالحميد السائح - مذكرات - في كتابه
«فلسطين... لا صلاة تحت الحراب» الصادر
عام 1994، ما يأتي:
«كان يُطلب منا الحديث بالتركية في
المدرسة (الشيخ من مواليد 1907) ومن كان
يتحدث بالعربية، كانت توضع في جيبه بطاقة
اسمها «سرناف»، يعاقب حاملها عند انتهاء
وقت الدوام»، أضاف الشيخ: «كانت جمعية
الاتحاد والترقي العثمانية تهدف الى تتريك
العرب، فأُدخل تعليم اللغة التركية في
الأقسام الابتدائية وفُرض علينا التحدث
بها، حتى ان علم النحو والصرف، كان
يُدرَّس بها. فمثلاً، اذا أراد المعلم
تعريف الأفعال والأسماء، يقول: فعل ماضي
نه در؟ أي ما هو الفعل الماضي، وهكذا».
وجاءت الممارسات التركية قبل الحرب
العالمية الأولى وأثناءها، لتزيد من
النقمة والتذمر والثورة في الأوساط
العربية الوطنية، وذكر د. الياس شوفاني في
كتابه «الموجز في تاريخ فلسطين السياسي -
منذ فجر التاريخ حتى سنة 1949» الصادر عام
1996، ما يلي «وجد الشعب العربي نفسه تحت
حكم عسكري معاد، وكانت سنوات الحرب عسيرة
على الناس، ومدمرة للبلاد التي كانت مسرح
عمليات الجيش الرابع العثماني، بقيادة
أحمد جمال باشا، ولم يدخر هذا وسيلة
للتنكيل بالقوى والشخصيات الوطنية، او
الاعتداء على السكان ونهب ممتلكاتهم
وأرزاقهم، وتسخيرهم في الأعمال الإجبارية.
ولسنين طويلة، ظلت ذكريات أيام الحرب
السود، محور أحاديث الناس، وأصبح «سفر
برلك» (التجنيد والانتقال الى خطوط قتال
بعيدة) مرادفاً للظلم والجوع والمرض
والمطاردة والنهب والخراب».
وتفصيلاً لبعض الأمور، يقول شوفاني:
«عسكر الجيش الرابع في بلاد الشام، التي
لم تكن مهيأة لذلك اقتصادياً، فقاسى
سكانها الأمرَّين من نزول هذا الجيش بين
ظهرانيهم، ولتموينه صادرت السلطات المواد
الغذائية والمواشي والمحاصيل. وللوقود
اللازم له، قُطعت الأشجار، حتى المثمرة،
ولأعمال السخرة سُحب الفلاحون من قراهم
الى خطوط الجبهة لحفر الخنادق وغيرها من
الأعمال. فساءت أوضاع البلاد الاقتصادية،
واختفت البضائع من الأسواق، واستشرت أعمال
السوق السوداء، وصولاً الى المجاعة
والأوبئة، وخلال أعوام الحرب الأربعة، هلك
مئات الآلاف من الناس جوعاً ومرضاً في
بلاد الشام والعراق» وتم إعدام عشرات
الوطنيين في دمشق وبيروت.
تجارة... وخطأ
وسهو!
عودة الى وثيقة التسليم العثمانية، فإن
كلام المتصرف التركي عزت، الذي لم يشأ
الخروج من جلده الإسلامي وهو يودع المدينة
المقدسة وأهاليها، جاء متعاطفاً، داعياً
الى الحفاظ على الأماكن المقدسة في
المدينة. في حين ان الوثيقة الإنكليزية
الأخرى، والتي قضت بنقل السلطة في فلسطين
من الاحتلال العسكري، الذي استمر من
9/12/1917، وحتى أول تموز (يوليو) عام
1920، الى سلطة «مدنية»، على رأسها
الصهيوني هربرت صامويل، حملت طابعاً
مغايراً وغريباً، سأفصّل في تفسير
احتمالات معانيه وإشاراته، بعد تثبيت نصه
الذي جاء في كتاب «التأسيس البريطاني
للوطن القومي اليهودي - فترة هربرت
صامويل، 1920-1925» الصادر عام 2003،
للدكتورة سحر الهنيدي، وفيه:
«في وقت مبكر من عصر اليوم الثاني
لوصول صامويل الى فلسطين (وصل في الأول من
تموز/ يوليو 1920) سلّم الحاكم العسكري
بولز الإدارة رسمياً الى المندوب السامي
صامويل. وفي نُزل جبل الزيتون في القدس،
الذي كان معروفاً باعتباره «مقر إدارة
أراضي العدو المحتلة في الجنوب (الأراضي
التي كانت خاضعة للسلطنة العثمانية في
البلدان العربية) وصار يعرف الآن (في ذلك
الزمان) بمقر الحكومة، قال: بولز، وهو على
أهبة المغادرة، لصامويل، انه يريد منه «أن
يوقع ايصالاً». وحين تساءل صامويل: عن
ماذا؟، رد بولز: «عن فلسطين». وقد استمرت
المحادثة، كما سجلها صامويل في مذكراته
على النحو التالي: «لكنني لا أستطيع ذلك.
إنك لست جاداً في طلبك». فأجاب بولز،
«إنني جاد بالتأكيد، وها هو ذا الإيصال
مطبوعاً». وعقب ذلك قدم بولز قصاصة من
الورق، كتب فيها: «استملت من الميجر جنرال
السير لويس بولز - حائز الوسام الرسمي KCB
- فلسطين واحدة، كاملة»، واعترض صامويل،
لكنه أمام إصرار بولز، وقّع الإيصال،
مضيفاً «ما عدا الخطأ والسهو»!
وورد في هامش الكتاب، بأن عبارة «الخطأ
والسهو» تستعمل في المعاملات التجارية!
اما عن الميجر جنرال بولز، فقد كان هو
الحاكم العسكري الثالث بين الحكام
العسكريين الذين حكموا فلسطين. وتولوا
إدارتها بعد احتلالها في نهاية عام 1917.
سبقه الجنرال هـ.د. واطسون، والميجر جنرال
السير آرثر موني، واستمر حكمهم حتى تموز
(يوليو) من عام 1920، ومع ان الثلاثة
كانوا يتلقون أوامرهم من القائد العام
البريطاني الفيلد مارشال ادموند اللنبي في
القاهرة، وكانوا مكلفين بتسهيل إقامة
الوطن القومي اليهودي في فلسطين، بحسب وعد
بلفور، الا أنهم مع ذلك كانوا يواجهون
ويلمسون أخطاراً حقيقية اذا نفذوا سياسات
بلدهم بحذافيرها. فإدارتهم وعدت العرب
بتحريرهم من الأتراك، وإقامة وحدة بين
أقطارهم خلال مباحثات واتفاقات مكماهون -
حسين. الا انهم وفي الوقت نفسه، عقدوا
اتفاقاً مع الفرنسيين لتقاسم المنطقة
العربية في ما بينهم من خلال اتفاقية
سايكس - بيكو، كما انهم اصدروا وعد بلفور
لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، مع ما
يقتضيه ذلك من تسهيل هجرة آلاف الصهاينة
الى فلسطين، وانتزاع الأراضي والممتلكات
من الفلسطينيين (...)
لذا فإن الحكام العسكريين الإنكليز في
فلسطين، أدركوا الحقائق على الأرض
وباكراً، الا انهم كانوا يواجهون رياحاً
عاتية من الضغوط والتأثيرات.
فمن جهة هناك ضغط إدارتهم في لندن،
التي حسبت مصالحها جيداً، ووجدت ان إقامة
كيان صهيوني في فلسطين يواليها ويخضع لها،
وقريب من قناة السويس في مصر، وعلى طريق
مستعمراتها المهمة في شبه الجزيرة
الهندية، يوفر لها الاطمئنان على مصالحها
(...)
ومن جهة ثانية فإن ضغوطاً كانت تواجهها
الإدارة البريطانية في فلسطين، والبلدان
العربية الأخرى الموعودة بالاستقلال
والتحرر، خصوصاً أن حكومة عربية وطنية
أقيمت في دمشق رأسها الأمير فيصل بن
الحسين اعتباراً من عام 1918 واستمرت الى
عام 1920، نادت بالوحدة والتحرير، وعدم
إقامة كيان صهيوني في فلسطين.
- كما ان ضغطاً شديداً، كان يمارسه
الصهاينة أيضاً بفظاظة وعجلة، من أجل
تسليمهم إدارة فلسطين كلها وخروج
البريطانيين باكراً من فلسطين.
لذا فإن النقمة لدى الفلسطينيين على
الإدارة البريطانية وعلى الصهاينة، وصلت
الى حدود الغليان. فما كان من أصغر الشرر
وحوادث الاستفزاز البسيطة في أول نيسان
(ابريل) من عام 1920، في موسم النبي موسى
في القدس، إلا أن أشعلت الفتيل، وحصلت
مواجهات واشتباكات، اعتباراً من 4 نيسان
واستمرت نحو عشرة أيام، سقط بنتيجتها قتلى
وجرحى، أجملتهم بعض المصادر بـ9 قتلى و250
جريحاً من الصهاينة، و4 قتلى و21 جريحاً
من العرب، و7 جرحى من الجنود البريطانيين.
كما ان اشتباكات مسلحة حصلت قبل ذلك
واعتباراً من أوائل عام 1920 في منطقتي
الجليل الأعلى وطبرية. قُتِل بنتيجتها
مجموعة من الصهاينة كان على رأسهم القائد
الصهيوني المشهور جوزيف ترومبلدور - آذار
(مارس) 1920.
تقرير بولز
سجل الجنرال بولز في تقريره الذي رفعه
الى قيادته بعد حوادث القدس عام 1920، ما
يأتي:
«ليس العدل ما يبتغيه الصهيونيون من
المحتل العسكري، بل هم يتطلبون في كل أمر
فيه ليهودي دخل، إعمال التمييز والمحاباة
في جانب اليهودي، وهم قوم يصعب التعاطي
معهم صعوبة لا تفوقها صعوبة. إن اللجنة
الصهيونية - في فلسطين تدعي لنفسها سلطتي
وسلطة كل دائرة من دوائر الإدارة، وتتعدى
عليها، وإنني أقول بصورة الجزم أن دوام
الحال على هذا المنوال من المحال، من دون
مجازفة بالسلام العام، وإجحاف بحقوق إدارة
أنا رئيسها. أضاف تقرير بولز: «عبثاً نقول
للمسلمين والنصارى إننا قائمون بما صرحنا
به منذ الحفاظ على الحال القديمة، مما
عهدوه وعهدناه يوم دخول القدس، فالحقائق
تشهد بخلاف ذلك، فمن إدخال اللسان العبري
كلغة رسمية الى إقامة قضاء يهودي، الى تلك
التشكيلات الحكومية التي تتألف منها
اللجنة الصهيونية، كل ذلك - وغيره - حمل
العناصر غير اليهودية على الاعتقاد الثابت
والاعتقاد الراسخ بأننا أهل محاباة. وجاء
في نهاية التقرير: انه ليستحيل إرضاء ذوي
فكرة مخصوصة لا يطلبون رسمياً إلا «وطناً
قومياً. لكنهم بالفعل لا يقنعون بما هو
أقل من «حكومة يهودية» بكل مقتضياتها
السياسية».
ذلك وغيره سجله الجنرال بولز في
تقريره، لذا فإنه، عندما أصر على توقيع
صامويل على وثيقته (ورقته)، فإنه كان قد
أدرك الأخطار على حقيقتها، وعرف الشرور
القادمة، واستشعر محاولات التقسيم
والتفتيت، أو الاستيلاء على فلسطين كاملة
من الصهاينة، خصوصاً أنه كان ينقل الإدارة
الى صهيوني يعرفه تمام المعرفة، ويعرف
تعاطفه مع الأماني الصهيونية، ولماذا جيء
به الى فلسطينن كان الرجل في وثيقته التي
قدمها لأول حاكم مدني لفلسطين، يبرئ ذمته،
ويحتج ويظهر غضبه بطريقته على أشياء
كثيرة، ويعلن بوضوح أنه غير مسؤول عما
سيتبع ذلك. في حين ان العقل الاستعماري
الذي كان يتميز به صامويل، حوَّل الأمر
الى نكتة تجارية سمجة، بحسب ما جاء في
تعليقه «ما عدا الخطأ والسهو»، فحوّل
الوطن المقدس لدى أبنائه، الى حال تجارية،
تقتضي الخطأ والسهو، وفي هذا القول
والتصرف قمة الفظاظة الاستعمارية!
الحياة
02/08/2008
|